ابراهيم بن عمر البقاعي
416
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لأن الذهب الخالص يكون لينا ، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة ، وكل لين قابل للصلاح بسهولة ، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ أي يجددون كل وقت تحريفه عَنْ مَواضِعِهِ فإنهم كلما وجدوا شيئا من كلام اللّه يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم ، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم ، فهم يحرفون الكلم ومعانيها . ولما كانوا قد تركوا أصلا ورأسا ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه ، قال معبرا بالماضي إعلاما بحرمهم بالبراءة من ذلك : وَنَسُوا حَظًّا أي نصيبا نافعا معليا لهم مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السّلام ، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية . ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته ، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم ، تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : وَلا تَزالُ أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق ! تَطَّلِعُ أي تظهر ظهورا بليغا عَلى خائِنَةٍ أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و مِنْهُمْ أي في حقك بقصد الأذى ، وفي حق اللّه تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان ، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر ، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه ، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه . ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال : وَاصْفَحْ أي وأعرض عن ذلك أصلا ورأسا ، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم ، فإن ذلك إحسان منك ، وإذا أحسنت أحبك اللّه إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي اللّه عنهما - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم « 1 » وفي رواية للبخاري : إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وذلك أشد السحر ، ثم إن اللّه تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان ، فقالت له عائشة رضي اللّه عنها : أفلا
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه النسائي في الكبرى 3543 وفي الصغرى 7 / 112 ، 113 والطبراني في الكبير 5 / ( 5011 ، 5016 ) وأحمد 4 / 367 كلهم من حديث زيد بن أرقم . وقال الهيثمي في المجمع 6 / 281 : رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح . وقد تقدم من حديث عائشة في سورة البقرة . رواه الشيخان .